السيرة الذاتيه للدكتور محمد داود تواصل مع داود
كتب مقالات حلقات وبرامج إذاعيه وتلفزيونيه رسائل علميه قالوا عن داود حلقات وبرامج إذاعيه وتلفزيونيه
       

ندوة الكلمة2
د.حسن عبد العليم يوسف

اللغة العربية بين الفصحى القديمة والحديثة
«رؤية معاصرة»

د.حسن عبد العليم يوسف (*)

اللغة العربية وتحديات القرن الحادي والعشرين:
تتعرض اللغة العربية في القرن الحادي والعشرين لتحديات لا تقل في خطورتها وعنفها عما تتعرض له من تحديات سياسية واقتصادية, بعض هذه التحديات نشأ مع ظهور النهضة العربية في منتصف القرن التاسع عشر واستمر حتى اليوم, وبعضها من آثار النصف الثاني من القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين, وهذه معالجة لأهم هذه التحديات .
أولا : الصراع بين الفصحى والعامية:
اتخذ الجدل حول هذه القضية الاتجاهات الآتية:
الاتجاه الأول: يدعو إلى اتخاذ العامية لغة قومية محل الفصحى واتخاذ حروف غير عربية لرسمها.
الاتجاه الثاني: يدعو إلى الحفاظ على الفصحى والإبقاء على رسمها, والتقريب بينها وبين العامية, وتطويرها وفق نموذج لغوي غربي .
الاتجاه الثالث: يدعو إلى الحفاظ على الفصحى, والاعتداد بتغير معجمها والإبقاء على رسمها, والتحكم في هذا التغير وفق مخطط قومي .
الاتجاه الأول: الداعي إلى اتخاذ العامية لغة قومية , واتخاذ حروف غير عربية لرسمها:
أ- الدعوة إلى اتخاذ العامية لغة قومية:
يعد الدكتور (ولهلم سبيتا) الرائد لكل ما كتب عن العامية المصرية من الأجانب ففي سنة 1880م ألف كتابا بالألمانية عن (قواعد العربية العامية في مصر). من هذا الكتاب خرجت الدعوة إلى اتخاذ العامية لغة أدبية, والشكوى من صعوبة العربية الفصحى, واتخاذ الحروف اللاتينية لكتابة العامية, تلك الحروف التي نودي باستخدامها فيما بعد لكتابة العربية الفصحى .
يرى (سبيتا) أن الاختلاف الواسع بين لغة الحديث والكتابة لا يمكن معه مطلقا التفكير في ثقافة شعبية, إذ كيف يمكن في فترة التعليم الابتدائي القصير أن يحصل المرء على حتى نصف معرفة بلغة صعبة جدا كاللغة العربية الفصحى ! بينما يعاني الشباب في المدارس الثانوية عذاب دراستها خلال سنوات عدة دون أن يصلوا إلى شيء اللهم إلا نتائج لا ترضي بتاتا... أضف إلى ذلك طريقة الكتابة العقيمة؛ أي بحروف الهجاء المعقدة التي يقع عليها أكبر قسط من اللوم في كل هذا.
وفي مدي الخلاف بين الفصحى والعامية يقول : وحال المصريين اليوم ليس غريبا عن حال الإيطاليين واليونانيين في عصر النهضة؛ ولهذا يعجب من إجبار الطالب على الكتابة بلغة هي من الغرابة بالنسبة إلى الجيل الحالي من المصريين مثل غرابة اللغة اللاتينية بالنسبة إلى الإيطاليين.
وتتوالى كتابات الأجانب وبخاصة من الإنجليز الذين يعملون في أجهزة الدولة المصرية في أثناء الاحتلال في الدعوة إلى العامية (كارل فولرز) 1890, و(باول) و (فيلوت) 1926, و(سلدن مور) 1901 و (وليم كوكس) 1893 , 1926, وسنعرض لأفكار الأخيرين لأهمية ما كتباه في هذا الخصوص.
يرى (ولمور) أن العامية المصرية – ويعني بها – كما هو الشأن مع كل الأجانب الذين كتبوا عن العامية المصرية عامية القاهرة – لغة جديدة لها طابعها الخاص, تختلف عن الفصحى تمام الاختلاف سواء في تراكيبها النحوية أم في مفرداتها, وأنها ترتبط بفروع اللغات السامية أكثر من ارتباطها بلغة القرآن ولغة الأدب العربي القديم .
ويحذر (ولمور) المصريين من أن معارضتهم اتخاذ العامية لغة أدبية سوف يعرضهم لخطر عظيم : فإذا لم تتخذ العامية وحدها لغة للبلاد في الأغراض المدنية التي ليست لها صبغة دينية على الأقل, وإذا لم تتخذ طريقة مبسطة للكتابة (يعني اتخاذ الحروف اللاتينية) فإن لغة الحديث ولغة الأدب ستنقرضان وستحل محلهما لغة أجنبية نتيجة لزيادة الاتصال بالأمم الأوروبية .
ألقي (ويليم ويلكوكس) مهندس الري الإنجليزي الذي كان يعمل بمصر محاضرة عام 1893م بعنوان (لم لم توجد قوة الاختراع لدى المصريين الآن ؟.
وفي هذه المحاضرة زعم (ويلكوكس) أن أهم عائق يمنع المصريين من الاختراع هو أنهم يؤلفون ويكتبون باللغة العربية الفصحى, وأنهم لو ألفوا وكتبوا بالعامية لأعان ذلك على إيجاد ملكة الابتكار وتنميتها .
وفي عام 1926 نشر (ويلكوكس) رسالة بعنوان (سوريا ومصر وشمال أفريقيا ومالطة تتكلم اللغة البونية لا العربية) زعم فيها أن اللغة التي يتكلمها الناس في هذه الأقطار هي اللغة الكنعانية أو الفينيقية أو البونية, وزعم أن اللغة البونية التي هي أساس لغة الحديث عندنا لا صلة لها بالعربية الفصحى, وأنها انحدرت إلينا من الهكسوس الذين أقاموا في مصر نحو خمسمائة سنة.
ويدلل على ذلك بأدلة منها : أن اللغة المصرية التي هي بونية الأصل تنفرد بخصائص لا توجد في العربية الفصحى مثل طريقة النفي المزدوج (أنا ماعملتش) فهذه الطريقة لا يعرفها العرب وإنما جاءتنا من الهكسوس .
يهاجم (ويلكوكس) المصريين المتمسكين بالعربية الفصحى: وعلى ذلك فمصر تدفع غالبا بتبديد ثروتها القومية لقاء ما يقدمه المغرورون المتظاهرون بغزارة العلم والأساتذة من ثمن وهو خدمة لغة معينة ( يعني الفصحى) يعملون لصالحها وحدها .
أما اللغة العربية الفصحى فهي في رأيه : لغة مصطنعة يتعلمها المصري كلغة أجنبية ثقيلة في كل شيء إن وصلت إلى الرأس لاتصل أبدا إلى القلب, تقف عقبة في سبيل تقدم المصريين دراستها نوع من السخرة العقلية حالت بين المصريين وبين الابتكار ... دراستها مضيعة للوقت وموتها محقق كما ماتت اللاتينية.
عشت في مصر أربعين سنة فلم أجد فيها مصريًا يفكر تفكيرًا حرًا فإن قوة المصريين الذهنية يستنفدها على الدوام جهدهم في أن يترجموا ما يقرأونه باللغة الفصحى إلى اللغة المصرية المألوفة ثم هم عند الكتابة يترجمون ما فهموه بهذه اللغة إلى اللغة الفصحى.
وبالروح التي تكلم بها ( ويلكوكس) عن العربية الفصحى تكلم عن العرب ( ويقصد القبائل العربية المستوطنة في مصر ) عندما أراد أن يبين أن تأثيرهم في اللغة المصرية كان قليلا جدا؛ لأن الحياة في مصر الزراعية لم تكن تروق لهم ... فهؤلاء الناس في نظره كسالى قتلة لصوص قطاع طرق جبناء ... إلخ.
وفي مستقبل مصر يقول:
منذ 400 سنة تخلصت إنجلترا من اللغة اللاتينية الأكاديمية نهائيا واستخدمت لغتها القومية ونهضت الأمة كما ينهض رجل قوي بعد سبات ... ومصر ستتخلص بدورها من لغتها العربية وستستخدم لغتها القومية (العامية) وستنهض جميعها كما ينهض الرجل القوي بعد سبات.
ولكي يشجع (ويلكوكس) على اتخاذ العامية لغة لكل المصريين ولكي يدلل على قدرتها على التعبير الأدبي والعلمي ترجم إليها قطعا من مسرحية هنري الرابع ومن مسرحية هاملت لشكسبير.
وتقول د. نفوسة زكريا عنها: وفي هذه الترجمات لم تسعفه العامية في نقل أفكار شكسبير مما اضطره إلى استعارة كلمات وجمل من العربية الفصحى. ووجدنا العامية أيضا مشوبة بلهجته الأجنبية مما يدل على عدم استقرارها وتغيرها من نطق إلى نطق هذا إلى ما أحدثته العامية من تشويه لجو هذه الروايات التاريخية التي تعد من روائع شكسبير. ويزداد اقتراب هذا الأسلوب من الفصحى في المواقف التي تتطلب النصح وتعرض نظرات عامة في الحياة وفي الناس.
وبمقارنة النص العامي بالنص الفصيح نجد أن (ويلكوكس) لم يتقيد في ترجمته بالنص الأصلي كان يحذف بعض الجمل أو يقدم بعضًا على بعض وأحيانا يكتفي بتصوير المعنى تصويرا إجمالياً. كل ذلك ليسهل على نفسه استخدام العامية ويرغمها على نقل هذه الروائع الأدبية، وأنه اضطر رغم ذلك إلى الاستعانة بالعربية الفصحى. وكذلك ترجم أجزاء من الكتاب المقدس في عهديه القديم والجديد .
وما قيل عن ترجمته لبعض نصوص من روايات شكسبير يقال هنا تقول د.نفوسة : وفي هذه الترجمة وجدت العامية قلقة في موضعها لسمو المعاني التي تعبر عنها والتي تحاول تشويهها كما أنها لم تقو بمفردها على التعبير عن تلك المعاني فلجأت إلى الفصحى تستمد منها العون شأنها في كل المواضيع الرفيعة التي أرغمت على معالجتها.
ويتلقف الدعوة من المصريين سلامة موسى ربيب (ولمور) و(ويلكوكس) وينادي بما ناديان في إطار ما يسميه بتجديد الأدب العربي. يقول:
"في وقتنا الحاضر في مصر والأقطار العربية يجب أن يكون الأدب كفاحا نحارب به رواسب القرون المظلمة ... وندعو إلى الحياة العصرية أي حضارة أوروبا إذ نحن على يقين بأنه إذا كانت الشمس تشرق من الشرق فإن النور يأتي إلينا من الغرب".
وفي عام 1926 يكتب مقالة في المقتطف بعنوان (اللغة الفصحى واللغة العامية) يعلق فيها على آراء (ويلكوكس) يقول في مستهلها : وهموم السير (ويلكوكس) مصرية أكثر مما هي إنجليزية, فهو يقيم في مصر ويفكر في مصالح مصر ثم يعلق على آراء (ويلكوكس) فيما كتبه عن العامية المصرية وهو يشاركه في الحمل على الفصحى وعلى القومية العربية. وفي القضية الأولي يقول: ولست أحمل على اللغة الفصحى إلا لسببين.
أولهما: صعوبة تعلمها وثانيا: عجزها عن تأدية أغراضنا الأدبية أو العلمية.
أما من حيث الصعوبة فإنه يكفي أن نقول إننا نتعلمها كما نتعلم لغة أجنبية, وأن أحسن كتابنا يخطئ فيها مئات الأخطاء وأننا مهما تعنينا وتوخينا الصحة فإننا لعدم إشرابنا روحها وبعدنا عن قياسها لا نزال نرتكب الهفوات فيها ... ثم هي أيضا لا تؤدي أغراضنا ... إن اللغة العربية لا تخدم الأدب المصري ولا تنهض به , لأن الأدب هو مجهود الأمة وثمرة ذكائها وابن تربتها ووليد بيئتها, فهو لا يزكو بأية حال إلا إذا كانت أداته لغة هذه البيئة التي نبت فيها.
وفي القضية الثانية يقول:
"ومما يمكن أن يحمل على اللغة الفصحى أيضا أنها تبعثر وطنيتنا المصرية وتجعلها شائعة في القومية العربية, فالمتعمق في اللغة الفصحى يشرب روح العرب ويعجب بأبطال بغداد بدلا من أن ’يشرب الروح المصرية ويدرس تاريخ مصر؛ فنظره متجه أبدا نحو الشرق وثقافته كلها عربية شرقية مع أننا في كثير من الأحيان نحتاج إلى الاتجاه إلى الغرب".
ولإصلاح حال العربية يدعو إلى التقريب بين العامية والفصحى, يقول : ولست أشك في أن اللغة العامية تفضل اللغة الفصحى وتؤدي أغراضنا الأدبية أكثر منها. ولكننا لم نبلغ بعد الطور الذي يمكننا أن نطفر هذه الطفرة، إلا أن هذا لا ينبغي أن يمنعنا من إيجاد تسوية بين الفصحى والعامية .
وأوجه التسوية في اعتقادي هي:
1- إلغاء الألف والنون من المثنى والواو والنون من جمع المذكر السالم .
2- إلغاء التصغير .
3- إلغاء جمع التكسير كله والاكتفاء بالألف والتاء لغير المذكر السالم.
4- إلغاء الأعراب بتسكين آخر الكلمات .
5- استعمال جميع الألفاظ العامية مثل حَمَّار بدلا من مُكاري.
6- عدم ترجمة الألفاظ الأوروبية والاكتفاء بتعريبها كأن نقول بسكليت بدلا من دراجة.
وتمضي دعوة (سبيتا) و(ولكوكس) وسلامة موسى إلى العامية في أكثر صورها تطرفا عند (بيومي قنديل) في كتابه: (حاضر الثقافة في مصر).
يقول: في مصر لغتان وثقافتان, وليس لغة واحدة وثقافة واحدة ... اللغة الأولى هي اللغة العربية الفصحى الوافدة والرسمية المضطهدة (بكسر الدال) واللغة الثانية هي اللغة القومية التي يكتسبها الطفل خلال طفولته (يقصد العامية المصرية) واللغتان العربية – السامية, والمصرية الحامية تصطرعان مثلما تصطرع الثقافتان اللتان تحملانها: الثقافة العربية السامية والثقافة المصرية الأفريقية ولا تتعايشان كما يدعي (المتعلمون المصريون) ويطمئنون إلى ادعائهم, فكل ثقافة من هاتين الثقافتين تقدم وجهة نظر مستقلة عن الأخرى ومغايرة للعالم والإنسان والمرأة والمجتمع والوطن.
ويبين بيومي قنديل لماذا ينتصر للثقافة المصرية و (اللغة المصري الحديثة), ويقول:
1- إنها الثقافة التي تنحدر إلى من جدودي المصريين القدماء الذين بنوا أعظم حضارة في الشرق الأوسط القديم عن طريق التواتر, ثقافتي القومية التي أتقنها تمام الإتقان دون معاناة من خلال الاكتساب, وتلمس شغاف وجداني ... دون حاجة إلى تعلم أبجديتها .
2- إنها أرقي وأكثر إنسانية وتسامحاً وقبولاً للآخر وأكثر عقلانية وأغنى بالأساطير وأقوى تعبيراً من الثقافة العربية السامية.
ويبدو تعصبه وعنصريته واضحين حين يقرر أن الثقافة السائدة في مصر بأسرها ذات طابع أجنبي , ويقول : هذا الطابع الأجنبي أي العربي هو ثقافة العرب الذين احتلوا بلاد المصريين وفرضوا عليهم الجزية والخراج وكافة ألوان التسخير والعبودية والإذلال كافة .
ويوجه نقده العنيف إلى الفصحى التي لا تستحق اسم التفضيل الذي توصف به, ويقرر أنها مستحيلة التعلم .
يقول: أما في مصر , فهذه اللغة العربية الفصحى التي يصل عدد قواعد نحوها وصرفها وإملائها إلى ما يزيد على 12 ألف قاعدة رياضية , مقابل ألف قاعدة للغة الإنجليزية – ليست صعبة فقط بل مستحيلة.
وعلى أية حالة فإنه يرى أن اللغة العربية الفصحى لغة أجنبية يحتاج الطفل المصري أن يتعلم مهاراتها المختلفة , وأنها لغة بالغة الصعوبة لا يستطيع أحد – مهما أنفق من سني عمره – أن يعبر بها عن نفسه.
وهو ينكر الطابع الإسلامي للثقافة المصرية ويشهر في وجوه من يخالفه مزاعمه العنصرية علم الفتنة الطائفية يقول : إن تحويل انتمائنا من القومي (المصري) إلى الديني (الإسلامي) هو أول طلقة تطلق لحرب طائفية تبدأ كي لا تنتهي".وكأن الثقافة الإسلامية بنت الحاضر فحسب , وكأنها لم تتغلغل في حياة المصريين جميعا مسلمين وغير مسلمين .
وتتطور دعوته إلى العامية والتي يسميها (اللغة المصرية الحديثة) إلى الدعوة إلى كتابتها بالحروف القبطية ليستكمل صورة الثقافة المصرية الحاضرة والتي ينفرد بتشكيلها من العامية المصرية الحامية لغويا وثقافيا. وسوف نتحدث عن هذا الجانب فيما بعد .
ب- الدعوة إلى رسم العربية بحروف غير عربية
اقترنت الدعوة إلى اتخاذ العامية لغة قومية للمصريين بدعوة أخرى إلى اتخاذ اللاتينية رسما لها لنفس الأسباب التي أعلنها دعاتها من الأجانب ومن اتبعهم من المصريين كسلامة موسى وعبد العزيز فهمي.
ونظراً لانشغال دعاة العامية بهذه القضية رأينا عرض موقفهم فيها, وبيان الاعتراض عليهمما أدى إلى القضاء على الفكرة قضاء تاما والإبقاء على الرسم العربي. ولا يتسع المقام لعرض المقترحات الخاصة بإصلاح الرسم العربي ونحيل القارئ إلى ما كتبه محمود تيمور وشوقي أمين وما اقترحه مجمع اللغة في إصلاحه ونكتفي لتحديد أبعاد هذه القضية بما كتبه عبد العزيز فهمي وبيومي قنديل .
يشير عبد العزيز فهمي إلى مشكلة الرسم ووجه الخطر فيها قائلا:
"هذا الرسم هو أهم أسباب مرض العربية وأنه الكارثة الحائقة بنا في لغتنا بل يعده من أسباب تأخر الشرقيين, لأنه رسم لا يتيسر معه قراءتها قراءة مسترسلة مضبوطة حتى لخير المتعلمين وذلك لخلوه من حروف الحركات والمد والشدة والتنوين) ويرى أن استخدام علامات التشكيل منفصلة عن الحروف مجلبة لكثير من الأضرار" .
وغاية العمل في حل هذا المشكل هو : اتخاذ الحروف اللاتينية وما فيها من حروف الحركات بدل حروفنا .
وأفاض في الحديث عن مزايا طريقته , وأولاها بالذكر هنا أنها تؤدي جميع نغمات الحروف العربية وبحرف واحد لا يشترك غيره معه في أدائها. وأنها توجب كتابة كل كلمة قائمة بذاتها مستوفية صورتها اللغوية وفي كل ذلك تسهيل للتعليم والتعلم .
وتتلخص طريقته في الرسم فيما يأتي:
1- الاستعانة بالحروف اللاتينية لتحل محل ما يناظرها في العربية مثل ب = b, ت = t .... إلخ .
2- أما الحروف التي ليس لها نظير في الحروف اللاتينية فقد أبقى عليها برسمها العربي ع و غ ... إلخ .
3- وأحدث تعديلا في بعض حروف اللاتينية لتصلح لبعض حروف العربية مثل : ث = t , ذ = d .... إلخ .
ويجيء بيومي قنديل فيدفع بقضية الرسم إلى المجهول . ولم يغب عنه فشل المحاولات التي سبقته لاتخاذ الحروف اللاتينية لتحل محل الحروف العربية, ويرى أن الفجوة بين اللغة المنطوقة والمكتوبة فاغرة شدقيها, ويثني على فريق المصلحين الذين امتازوا بالصدق مع النفس والإخلاص لوطنهم والشجاعة في الرأي باستخدام الحروف اللاتينية بدل الحروف العربية النبطية.
ويقول في دعوته اتخاذ الحروف القبطية بدل الحروف العربية: وفي سائر الأحوال لا أراني أتهيب – ولا ينبغي أن يظن بي ذلك – الدعوة إلى الكتابة بالحروف القبطية, وبتحديد أدق اعتماد النسق الأبجدي القبطي في وضع أبجدية جديدة, فمثل هذه الأبجدية هي التي تستطيع وصلنا بالعصر الذي نحياه ... كما تصلنا بجذورنا الأعمق كمصريين حاميين.
ويبدو أنه يدرك استحالة اتخاذ الحروف القبطية؛ إذ لم يقل لنا شيئا عنها وكيف يكون استعمالها؛ ومن ثم انتقل إلى مقترح آخر لكتابة العامية (أي اللغة المصرية الحديثة) بحروف عربية ولكن بفصل الضمائر والحروف والأدوات عن الأسماء والأفعال أي كتابتها كتابة مورفيمية ينفرد فيها كل مورفيم بكلمة فتكتب (ما أعرفش) هكذا ( ما أعرف ش) ...
الاتجاه الثاني الداعي إلى الحفاظ على الفصحى ورسمها والتقريب بينها وبين العامية وتطويرها وفق نموذج لغوى غربىظهر بإزاء الدعوة إلى العامية بديلا عن الفصحى ورسمها بحروف غير عربية دعوة أخرى إلى الحفاظ على الفصحى وعلى رسمها العربي, وإلى التقريب بينها وبين العامية, وإلى دراستها دراسة وصفية للتعرف على صفاتها لتحقيق التقريب المنشود .
أ- التقريب بين العامية والفصحى
كان سلامة موسى من الذين دعوا إلى التقريب بين الفصحى والعامية مرحليا, حين أدرك أن العامية في عصره لا يمكنها أن تحل محل الفصحى للتعبير عن العلوم والآداب, ولهذا دعا إلى ما يسميه (التسوية) بينهما وحدد مجال التسوية – كما اتضح فيما سلف من صفحات .
وظهرت الدعوة إلى التقريب في إطار حركة التمصير التي تزعمها أحمد لطفي السيد .
حركة التمصير:
ظهرت حركة التمصير بظهور القومية المصرية في أواخر القرن التاسع عشر, وبلغت أشدها بعد ثورة 1919. وكانت جهود كثير من دعاتها موجهة إلى تحديد آمال الوطن لمصر وحدها والعمل على حفظ مشخصاتها بإبراز الطابع المميز لها. وقد بلغ التعصب للمصرية غاية مذمومة بعداء للعربية والإسلام عند سلامة موسى قديما وبيومي قنديل حديثا.
تمصير اللغة العربية:
دعا أحمد لطفي السيد داعية القومية المصرية الأول أو منشئ الوطنية الحديثة – كما كانوا يسمونه – إلى تمصير اللغة العربية. ودعوته إلى التمصير اتخذت اتجاهين :
الأول: قبول الأسماء الأجنبية الخاصة بالمستحدثات المستخدمة في اللغة اليومية مثل البسكليت والأوتوموبيل ... إلخ ولا يرى فائدة من استحداث كلمات عربية تحل محلها, ومع ذلك فإنه يشترط لقبولها أن تجري على أوزان العرب, وتجري عليها أحكام الإعراب فتصبح عربية بالزمان .
الثاني: احتضان المفردات العامية العربية, فيردون ما تشوه منها إلى أصله العربي ويستعملونه صحيحا, وما لم يشوه يستعمل على حاله .
وفي استعمال مفردات العامة وتراكيبهم إحياء للغة الكلام وإلباسها لباس الفصاحة .
وهكذا يتضح أن أحمد لطفي السيد لا يريد إماتة اللغة العربية الفصحى ليأخذ بزمام العامية – كما فهم بعض الكتاب لا سيما سلامة موسى – وإنما يريد أن يرفع لغة العامة إلى الاستعمال الكتابي, وينزل بالضروري من لغة الكتابة إلى ميدان التخاطب والتعامل, وبذلك يمكننا أن نكتب الكتاب مفهوما, ونتحدث الأحاديث عربية صحيحة بالزمان".
وقد أثمرت دعوة التقريب أو التمصير ثمرات طيبة فظهرت معاجم للعامية المفصحة, وبحوث علمية في دراسة العامية. ونكتفي هنا بالدراسة القيمة التي كتبها المجمعي محمد فريد أبو حديد.
خصائص العامية:
نادى محمد فريد أبو حديد بوجوب العمل على التقريب بين الفصحى والعامية. أما وسيلته في هذا التقريب فهي أن نتأمل في حياة هذه العامية ونحاول تحديد خصائصها لأن في حال هذه العامية فائدتين : الأولى أنها تساعد على تصحيح العامية وردها إلى الفصحى والثانية أننا قد نجد عند حصر خصائص العامية أن فيها ما يساعد على تطوير الفصحى نحو ما هو أسمى مع الاحتفاظ بسلامتها, وبذلك نكسب كسبا مزدوجا.ولذلك قامت دراسته الضافية على إحصاء خصائص العامية المتعلقة بالألفاظ والقواعد والأسلوب .
وخلاصة ما قاله في الألفاظ العامية أن أكثر الألفاظ العامية إِمّا صحيحة قرشية, وإمّا صحيحة في لهجات العرب, وإما محرفة تحريفا قريبا يقصد به التسهيل.
ومما استخلصه من خصائص العامية يقرر أنها ليست مجرد مسخ أو تشويه للعربية بل قد كادت تصير لغة قائمة بذاتها ولها قواعدها وأصولها, وإذ شذ عنها شاذ عد ذلك خروجا على طريقة مقررة".
ويصرح محمد فريد أبو حديد بهدفه من بحثه بأن تكون لغة الكتابة والحياة وليدة تصحيح العامية وترقيتها لتكون أقرب إلى الفصحى, ويدعم تقديره بأن التفاهم ممكن في سهولة بين المثقف وغير المثقف بلغة بسيطة سليمة.
منهج في تجديد النحو العربي:
اكتفى أغلب دعاة التقريب والتفصيح الذين تحدثنا عنهم بمعالجة الكلمات المعربة والكلمات العامية ذات الأصول العربية وهي جوانب معجمية لا تخل بالنظام النحوي للفصحى. ورأينا أن سلامة موسى حين تحدث عن التسوية بين اللغتين اقترح مسائل نحوية لهذه التسوية.
وقد سلك الشيخ أمين الخولي هذا المسلك لمعالجة صعوبة قواعد النحو وهو يري أن صعوبة النحو ليست شكلية بل في بناء اللغة نفسها وفي سعتها, وفي أشياء أخرى من طبيعتها والحل – عنده – من ثم – يجب أن يكون من اللغة العربية ذاتها لا بشيء خارج عن نظامها : أي على الأصول التي اعتمدها النحاة أنفسهم حين استقرؤوا أساليبها ووضعوا قواعدها .
ومن تلك الأصول اختيار ما هو بسبب من لغة الحياة والاستعمال, فنختار ما له أصل عربي مما في عاميتنا من مظاهر الإعراب ..." وبهذا التقريب: سيكون الوجه المختار على هذا النحو قريبا من أنفسنا سهلا لا حدة فيه ولا إعنات.
ومن المسائل التي اقترح إجراءها في قواعد النحو التي تدرس للطلاب : إلزام الأسماء الخمسة الواو كالشائع في العامية المصرية, وإلزام المثني الياء في كل أحواله, وإلزام جمع المذكر الياء في جميع أحواله, ونصب جمع المؤنث بالفتحة ... ومسائل أخرى على النحو السابق مما يشيع في عاميتنا المصرية ويجاري بعض اللهجات القديمة أو القراءات.
ب- إصلاح رسم العربية:
كان أحمد لطفي السيد من أسبق الداعين إلى تيسير الكتابة العربية فاقترح سنة 1899 الدلالة بالحروف على الحركات على أن تدخل هذه الحروف على بنية الكلمة فتكتب (ضرب) مثلا هكذا (ضارابا) ويثبت التنوين ورسمه بالكتابة فتكتب (سعد) هكذا (ساعدون) ... إلى آخر ما اقترحه . ولم يجد هذا الاقتراح قبولا ؛ لأنه يخلق لنا رسما يختلف في كثير من الوجوه عن رسمنا الحالي فيقطع بذلك الصلة بين ماضينا وحاضرنا, ولأنه يلزمنا إثبات حركات لا تدعو الحاجة إلى إثباتها.
واكتفى الشوباشي ببيان أن قواعد الكتابة العربية لا تلزم برسم الحركات القصيرة على السواكن, ويعتمد في بيانها على بقية عناصر الجملة وعلى حس القارئ.
الاتجاه الثالث: الداعي إلى الحفاظ على الفصحى, والاعتداد بتغير معجمها, والإبقاء على رسمها, والتحكم في هذا التغير وفق مخطط قومي.
أ- العامية والفصحى:
رأينا أن دعاة العامية يحتجون باحتجاجات عديدة للترويج لدعوتهم وللتدليل عليها, وإن اختلفوا في التعبير عنها .
فهم متفقون على أن الاختلاف بين الفصحى والعامية واسع جدا كالاختلاف بين اللاتينية والإيطالية, ومن ثم فالفصحى والعامية لغتان مختلفان, وينبني على ذلك صعوبة تعلم الفصحى, لأنها بالنسبة لمن يتعلمها لغة أجنبية مصطنعة, أما العامية فلا تحتاج إلى تعلم لأنها اللغة التي يكتسبها الطفل من أمه .
واستنتج بعضهم – بسبب هذا الاختلاف – أن الفصحى عائق يمنع المصريين من التفكير المنظم المسترسل, لأنه يتحدث بلغة ويكتب بلغة أخرى. بل عدها (ويلكوكس) عائقا يمنع المصريين من الاختراع والتفكير الحر.
وفي التدليل على مسافة الخلاف الواسع بين الفصحى والعامية واعتبارهما لغتين يدعي (ولمور) أن العامية ترتبط بفروع اللغة السامية أكثر من ارتباطها بلغة القرآن الكريم ولغة الأدب العربي. ويزعم (ويلكوكس) أن أصل العامية (بوني) ينحدر من الهكسوس الذين حكموا مصر من خمسمائة عام. ويتطرف بيومي قنديل ويؤكد أن أصلها مصري حامي لا عربي سامي .
وللتدليل على قدرة العامية على أن تكون لغة أدبية للمصريين ترجم (ويلكوكس) إليها بضعة نصوص من بعض أعمال شكسبير, وبضعة نصوص أخرى من العهد القديم والعهد الجديد.
وفي الوجه الثقافي للدعوة رأينا أن بعض أنصارها يدعو إلى القومية المصرية, ويرى أن العامية تعبر عن الثقافة المصرية القومية, وأنها تؤدي أغراضنا الأدبية أكثر من الفصحى, بل يدعي أحدهم أنها تعبر عن ثقافة الجدود الذين بنوا أعظم حضارة إنسانية عرفها التاريخ, وهي ثقافة أكثر إنسانية وتسامحاً من الثقافة العربية .
ويفسر بعضهم رفضهم للفصحى لأنها توجهنا وجهة الثقافة العربية, وهي – عند بيومي قنديل – ثقافة أجنبية, ثقافة المحتلين الذين أذلوا المصريين وفرضوا عليهم الجزية. ويرفضها سلامة موسى لأنها توجهنا نحو الشرق, على حين ينبغي علينا أن نتوجه إلى الغرب, إلى النور .
وفي مستقبل الصراع بين العامية والفصحى يتوقع (ولكوكس) أن تتخلص مصر من لغتها العربية الفصحى, وسوف تستخدم لغتها القومية (العامية). ويحذر (ولمور) من أنه إذا لم تتخذ العامية وحدها لغة للبلاد, فسوف تنقرض اللغتان وستحل محلهما لغة أجنبية لزيادة الاتصال بالأمم الأوروبية. وبعد قرن من الزمان ندعوكم لتقدير الموقف تقديراً موضوعياً.
ناقش دعاة هذا الاتجاه هذه الاحتجاجات وردوها على أصحابها, وكونوا لهم موقفا متميزا تكشفه الملاحظات الآتية :
الدعوة إلى العامية دعوة استعمارية عنصرية:
انبثقت الدعوة إلى اتخاذ العامية لغة قومية من دعاوى استعمارية وعنصرية, لقد رأينا أن الدعوة انبثقت من كتابات الأجانب المقيمين بمصر في أثناء الاحتلال البريطاني, ولا تخفى أغراضهم الاستعمارية من تلك الدعوة, لا سيما وأنها اقترنت بالقضاء على الفصحى والإزراء بالقومية العربية وبالتراث العربي والإسلامي.
وقد تبعهم في ذلك كتاب مصريون لا تخفي أغراضهم أيضا في ممالأة الاستعمار البريطاني والدعوة للحضارة الغربية ونبذ الثقافة العربية والدعوة إلى قومية مصرية عنصرية.
العامية لا تصلح لأن تكون لغة قومية:
يؤكد أنصار هذا الاتجاه أن العامية لا تصلح لأن تكون لغة قومية للمصريين لأسباب منها:
- إن العامية لم تستطع حتى الآن أن تتسامى إلى آفاق الفكر العليا, ولم يظهر بعد فيها أمثال النوابغ الذين أنتجوا روائعهم بلغاتهم الحديثة الدارجة مثل (دانتي) الإيطالي الذي كتب بعامية لاتينية أصبحت فيما بعد اللغة الإيطالية.
وإن العامية – حتى الآن – ما تزال شفهية ليس لها رسم إملائي مقرر, كما أنها لم تستخدم قبلا لغة للعلوم لفقر معجمها ومحدودية بنيتها التركيبية.  ويستشهدون على ذلك بمحاولة (ولكوكس) الفاشلة في ترجمة بعض أعمال شكسبير وبعض نصوص العهدين القديم والجديد.
- وإن الفارق بين العامية والفصحى قد بولغ في تقديره, فلم يبلغ شيئا يقرب من الفارق بين بعض اللغات الأوروبية الدارجة واللاتينية, فمازال التفاهم ممكنا في سهولة بين المثقف وغير المثقف بلغة سليمة بسيطة فصحى.
بل إن البحوث الحديثة في علم اللغة الاجتماعي والتي تسجل الواقع اللغوي في مصر وعلاقته بالثقافة المعاصرة وبالتحولات الحضارية في المجتمع المصري تؤكد أن العامية المصرية مثلا ليست عامية واحدة بل عاميات, فثمة عامية للأميين وعامية للمتنورين وعامية للمثقفين, وأن عامية الأميين تتلاشى من الاستعمال نتيجة زيادة التأثر بالحضارة الحديثة وبانتشار التعليم, وأن عامية المتنورين والمثقفين تقتربان جدا من الفصحى الحديثة, وأن الانتقال من عامية إلى أخري أو من العامية إلى الفصحى ميسور لكثير من الناس نزولا وصعودا وفقا للمواقف.
هدف التقريب بين العامية والفصحى:
لا خلاف بين أصحاب الاتجاه الثاني والثالث في أن الهدف من التقريب هو أن نكتب الكتاب مفهوما وأن نتحدث الحديث صحيحا. أو كما يقول أحدهم, إن من يتعلم العربية الآن يكون قادرا على فهم ما يكتب, وأن يظل العرب بعد مئات السنين قادرين على قراءة القرآن وفهم التراث كما يفهمونه اليوم.
العامية عربية الأصل:
ثمة اتفاق أيضا بين الاتجاهين على أن العامية أصلها عربي, وأنَّ ألفاظها – كما قال أبو حديد – إما صحيحة قرشية وإما صحيحة في لهجة من لهجات العرب, وإما محرفة تحريفا قريبا يقصد به التسهيل, بالإضافة إلى ما قد بقي في معجمها من ألفاظ قديمة العهد من آثار اللغات التي كانت تستخدم قبل الفتح الإسلامي, كالقبطية في مصر والسريانية في الشام.
التقريب في مجال الألفاظ مقبول وفي مجال التراكيب مرفوض:
وثمة اتفاق أيضا على التقريب بينهما في مجال الألفاظ. فلا ضير من الاعتداد ببعض الألفاظ المعربة التي شاعت وساغت ولا معدل عنها, وببعض العامي الذائع ولا فصيح يرادفه ويؤدي معناه, وبخاصة ما يتردد فيما يكتبه الأدباء ويصقله الاستعمال. وكثير من هذا كان يقوم به المجمعي محمود تيمور فيما كان يقدمه إلى مجمع اللغة العربية كل عام من ألفاظ الحضارة, وما يعرض على لجنة الألفاظ والأساليب وتقره من ألفاظ العامة.
بيد أن بعض مقترحات التقريب التي دعا إليها بعض أصحاب الاتجاه الثاني فيما يتصل بالبنية الصرفية والتركيبية للغة يستحيل تطبيقها مع الحفاظ على النظام التركيبي للفصحى, مثل تسكين أواخر الكلمات الذي يؤدي في النهاية إلى القضاء على الإعراب وهو أكبر صفات الفصحى. وهذا يمثل تناقضا صارخا في إدعاء بعض أنصار التقريب من المحافظة على الفصحى وعدم المساس بقواعدها الأساسية.
الفصحى الحديثة هي الحل:
بيد أن هذا لا يعني أبدا أن اللغة العربية قد تجمدت في شكلها القديم والموروث, فالذي يتتبع تاريخها يدرك أنها كانت دائما تتغير وتتطور في ألفاظها وفي أساليب تعبيرها. صحيح أن القرآن الكريم خلع عليها نوعا من الثبات جعل تطورها محدودا, فبفضله احتفظت العربية بصورة تكاد تكون مستقرة مدة كبيرة, وأتاح ذلك الحفاظ على تراثها الثقافي عبر القرون ملكا لنا حتى اليوم سهل التناول قريب المأخذ.
والفصحى الحديثة أو المعاصرة هي الفصحى التي صاغها الأدباء والعلماء الصحافيون واللغويون ... منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى اليوم, وهي فصحى مكتوبة غالبا, تستخدم في التعليم وفي العلم وفي الأدب وفي الصحافة, وهي اللغة الرسمية المشتركة في العالم العربي ونقول إنها فصحى لأنها معربة لا تجافي القواعد المعروفة للفصحى في كتب النحو, وهي معاصرة لأنها تغيرت تغيرات تركيبية وأسلوبية ودلالية اقتضتها دواعي الحياة المعاصرة, وهي شكل لغوي مختار يتعلمه العربي تعلما, ويتفاوت مستعملوه في إتقانه تفاوتا ظاهرا, ومن ثم فلا أحد يكتسبها في بيئته أو يستعملها في شئون الحياة العامة .
وهي – بإذن الله وبجهود المخلصين من الأدباء والعلماء واللغويين – لغة المستقبل , والمسافة التي تفصلها عن العامية تضيق شيئا فشيئا, بانتشار التعليم, وزيادة الوعي والثقة بها.
وهذه اللغة تتصف بصفتين ظاهرتين:
الأولى: إنها مرنة , ونعني بالمرونة توافر ذخيرة من الكلمات تيسر لمن يستخدمها أن يعبر عما يريد بطرق متعددة .
الثانية: إنها موائمة لمتطلبات التعبير العصري, ونعني بالمواءمة دقة التعبير وجودة التوصيل وقوة التأثير، فمن حيث المفردات ثري معجمها ثراء ظاهرا بالاشتقاق من جذورها المسجلة في المعجمات القديمة, وبالمدلولات الجديدة التي أضيفت إلى ألفاظها الشائعة في الاستعمال, وبطرق أخرى عديدة. وأوضح مثل على ذلك توسعها في التعدية بالتضعيف من جذور لم يسبق الاشتقاق منها, مثل حيد وسيس وصوت ... إلخ وإحياء صيغ كانت نادرة الاستعمال مثل (فعلن) عقلن وعلمن و(فوعل) مثل: حوسب, وعورب... إلخ.
ومن حيث الجمل تنوع استخدام الجمل فيها تنوعاً مثيراً, وخالفت أصلها من حيث التركيب بعض خلاف, فنجد تطورات كثيرة في نظم عناصرها تقديما وتأخيرا, فصلا ووصلا, ذكرا وحذفا ... إلخ بل وجدنا توسعا في استخدام بعض الأسماء والأدوات في مواضع أو وظائف لم تكن تستعمل فيها من قبل كاستعمال (أي) مثلا في قولنا (اشتر أي كتاب) واستعمال (حتى) في قولنا (لم يقرأ حتى الصحيفة) ... إلخ كما نجد استخدامات جديدة لم نعهدها في موروثنا الثقافي وطرقا جديدة للربط لم تكن معروفة من قبل, ومن أوضح ذلك ما نراه من تنوع التراكيب النحوية الدالة على الزمن والتي أصبحت بها مكافئة للغات الأجنبية المعاصرة. انظر مثلا قولنا : فعل, وقد فعل , وكان قد فعل , وقد كان فعل , وكان يفعل , وكان ومازال يفعل , ولم لن يفعل , ولا ولن يفعل وكان ومازال وسيظل يفعل.. إلخ .
ومن يتفحص الجمل المركبة الشائعة في الفصحى اليوم يحس أنها صيغت على هذا النحو لتكافئ أمثالها من اللغات الأجنبية, تفحص مثلا كيف تستخدم : عندما ولما وحينما وبينما ومادام وكلما ... إلخ.
الفصحى لغة القرآن والعروبة:
ننهي هذا الجزء من الأوراق بحقيقة تتردد على الألسنة والأقلام الرافضة للعامية والداعية إلى الفصحى, يقول الدكتور فتحي جمعة في (اللغة الباسلة) يعني العربية : إن الفصحى هي لغة كتاب الله, وهي في الوقت نفسه لغة العروبة, وجامعة ما بين العرب ووسيلة المسلمين في كل مكان إلى الإسلام والقرآن, على حين أن العامية دعوة للشعوبية ونداء بالإقليمية, إذ لا وحدة لها, ولا صلة ما بين أنواعها المتعددة حتى في الإقليم الواحد ".
ثالثا: ضعف الثقة بكفاية اللغة العربية الفصحى , وتدني الإحساس بالانتماء إليها
ومن مظاهرها المعاصرة:
أ‌- تسمية المحال والشركات بأسماء غير عربية واستخدام لغة هجين في التخاطب.
وهي ظاهرة تنتشر في كل أنحاء العالم العربي وبين كل الطبقات وفي كل المناطق من المدن والقرى. ولا يرجى أن تتوقف في الظروف الحاضرة. وفي هذه الظاهرة بتجلياتها المختلفة يقول: فهي هويدي الصحفي المصري: لا يشرف أي وطني في مصر أو غير مصر أن يطوف بالشوارع الرئيسية في عاصمة بلده, ثم يكتشف أن أغلب لافتات المحلات الكبرى إما مكتوبة بالحروف اللاتينية أو من كلمات إنجليزية مكتوبة بحروف عربية .
وهو شعور مهين يتلبس المرء لا ريب حين يلحظ ذلك التسابق المدهش بين رجال الأعمال في انتقاء الكلمات والمفردات الإنجليزية عناوين لمشروعاتهم, الأمر الذي أشاع بين الناس انطباعا يائسا مفاده أنك لكي تصبح رجل أعمال أو مهنيا محترما , أو تحقق لسلعتك ربحا مضمونا , عليك أن تنسلخ من جلدك وتتنكر للغة بلادك وتنتحل اسما غريبا لمشروعك تقدم نفسك به إلى المجتمع .
ويعجب من سكوت المسؤولين عن الإعلام وعن الثقافة عن هذه الظاهرة وعلى سبيل المثال لاحظ مثلا ما يتردد على ألسنة المذيعين والمذيعات من ألفاظ أجنبية لا حاجة إليها, ولاحظ مثلا بعض الأنشطة التي تقوم بها وزارة الثقافة تحت عنوان : الهناجر والسيمبوزيوم والبينالى والترينالى .. وهي أنشطة كان يمكن أن تقدم للناس بأسماء عربية توصل إليها المضمون بينما تحترم لغة المجتمع وهويته.
ويطلق أحد اللغويين على هذه الظاهرة مصطلح (الاستعجام) ويعدها من مظاهر الانهزام النفسي والشعور بالدونية الحضارية. ومع تقديرنا لتفسيره لها لا ينبغي إهمال العامل الاقتصادي في ظهورها, مع انتشار محال الأغذية والأشربة التي تمتلكها شركات كبرى متعددة الجنسية, ذات سطوة وانتشار مثل هارديز وماكدونالد وتكا ... إلخ . وثمة مظهر آخر لهذه الظاهرة وهو ما يسميه فهي هويدي (العربليزية) وهي لغة هجين من العربية والإنجليزية تشيع على ألسنة الشباب في مدارسهم ونواديهم بل في قاعات الدرس في المدارس والجامعات, وهي نزعة إلى التعالي على عامة الناس, وإلى التظاهر بالثقافة العصرية .
ب - انتشار المدارس التي تعلم باللغات الأجنبية, وإنشاء جامعات أجنبية, وأقسام بكليات التجارة والحقوق تعلم باللغات الأجنبية.
وهي قضية معقدة الجوانب ومن ثم ينبغي معالجتها من جوانبها المختلفة وعدم الاكتفاء بجانب واحد منها فحسب, وعلى سبيل المثال فإن الزيادة السكانية الكبيرة تفرض على الدولة أعباء مالية ضخمة لا تستطيع تحملها لتحقيق السياسة التعليمية القاضية بتوسيع القاعدة التعليمية بحيث تتوافر فرصة التعليم الإلزامي لكل الأطفال مع ضمان الجودة الشاملة , وإعطاء فرص أكبر في مؤسسات التعليم الجامعي .
وفي ظل هذه الظروف المعاصرة والاتجاه إلى الخصخصة والحاجة إلى تعليم متميز تنافسي بدأت الدولة تشجع المشاركة المجتمعية في تمويل العملية التعليمية, بتشجيع التعليم الخاص وإنشاء الجامعات الخاصة والأجنبية. كما لا ينبغي – على أية حال – التغاضي عن الآثار الاجتماعية والنفسية واللغوية للتعليم باللغات الأجنبية.
فمن آثارها الضارة – كما يقول الدكتور فتحي جمعة -: "أن هذه المدارس تربة خصبة لاستنبات مشاعر الاستعلاء والتميز الطبقي لدي أصحابها وطلابها والراغبين فيها, وهي مشاعر تؤدي إلى رغبة خفية في الانسلاخ من الأمة, وإحساس مخبوء بعدم الانتماء إلى المجتمع ".
ولا شك كذلك في أن هذا النوع من التعليم الذي يكلف قاصديه كلفة باهظة, ويوفر ظروفا تعليمية أفضل بالقياس إلى التعليم العام المتدني سوف يشكل صفوة اجتماعية بحكم دخولها العالية وتعلمها المتميز سوف تكون فرصتها في المنافسة على تولي الوظائف بعامة, والقيادية بخاصة أكبر؛ مما يهدد السلام الاجتماعي وينذر – في ظل البطالة والكساد – إلى ثورة اجتماعية حتما.
ولا يفوتني أن أربط هذه الظاهرة بالاستعمار قديما وبالعولمة حديثا, وهي من غير شك كانت فكرة استعمارية محضة غرسها المحتل الأجنبي في أرضنا وثبتها في عقولنا, وتتبناها وتكرسها العولمة المعاصرة ولا يخفي غرضها عند هؤلاء وهؤلاء من عزلنا عن تراثنا القومي وثقافتنا الخاصة, ومن ترويج ثقافة العولمة وتحقيق مصالحها.
وتؤكد البحوث اللغوية والتربوية أن التعليم بلغة الأم التي من خلالها تكتسب المفاهيم والتصورات وأنماط السلوك – يرسخ ما يحصله التلميذ بها, وييسر عليه اكتسابها, وأن التعليم بلغة ثانية يؤدي إلى اضطرابات في تحصيل المعرفة أولا وفي استخدامها ثانية .
ولا يتسع المقام هنا لعلاج هذا الموضوع الخطير, ونحن الآن بقسم علم اللغة نعد لمؤتمر عام من اللغويين وعلماء الاجتماع والنفس لدراسة آثار التعليم باللغات الأجنبية في العالم العربي . كما تؤكد التقارير الخاصة باستخدام اللغات الأجنبية في الكليات الجامعية أنها لا توفر دائما فهما أوضح واستيعابا أعمق مما يوفره استخدام اللغة الأم.
ويقرر الدكتور عبد الحافظ حلمي ذلك قائلا. لقد ثبت عندي فيما يشبه التجربة العلمية المقصودة أنه عندما درست مقرراً جامعياً معيناً لمجموعتين من الطلاب متكافئين على وجه العموم تلقته إحداهما بالعربية والأخرى بالإنجليزية كانت حصيلة طلاب المجموعة الأولي أكبر. وفهمهم للموضوع أتم وأعمق في وقت أقصر وبجهد أقل".
وتشير تقارير التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي للدول التي تحتل موقع الصدارة وللدول المرشحة للصدارة أن استعمال اللغة القومية في التعليم, ومن ثم في مختلف مناشط المجتمع يساعد في دفع المجتمع إلى الأمام.
ولعلى أنبه هنا إلى أن الدولة لا ينبغي أن تتخلى عن دورها في قومية المؤسسات العلمية, وترشيد التوسع في إنشاء المدارس والجامعات الأجنبية, وفي الإشراف عليها وفي فرض نسبة مئوية من مصاريف هذه المدارس أو الجامعات لخدمة التعليم العامة أو فرض منح دراسية مجانية لمن يرغب في الالتحاق من خريجي المدارس العامة وليس لديه القدرة على تكاليفها الباهظة.
العناية بتعليم اللغات الأجنبية:
لا ينبغي أن يفهم مما قلناه من حديث عن التعليم باللغات الأجنبية أننا نعارض تعليم لغة أجنبية في التعليم العام أو في التعليم الجامعي بل ينبغي أن يوضع في الاعتبار أن تعليم لغة أجنبية أصبح هذه الأيام ضرورة علمية لتحقيق التنمية البشرية بعامة وتحقيق السياسة التعليمية الرامية إلى الانطلاق إلى المشاركة الفعالة في عصر المعلومات, وتؤكد البحوث الحديثة أن الوقت المناسب لبداية التعليم هو المرحلة الابتدائية, على أهون الفروض, ومرحلة رياض الأطفال على أفضل الفروض, وأن تعلم لغة أجنبية في تلك المرحلة لن يؤثر سلبيا على تعلم اللغة الأولى, بل سيكون مفيدا في تعلمها, وفي تكوين شخصية الطفل العلمية فيما بعد.
أهم مراجع البحث:
1- د. حسين بهاء الدين , مفترق الطرق , الهيئة المصرية العامة للكتاب بمصر , 2003, ص79 . وانظر أيضا له ؛ التعليم والمستقبل , الهيئة المصرية العامة للكتاب بمصر , 1999, والوطنية في عالم بلا هوية , دار المعارف بمصر, 2000 م .
2- انظر : د. حامد عمار , الحادي عشر من سبتمبر 2001 وتداعياته التربوية والثقافية في العالم العربي , الدار المصرية اللبنانية , 204 ص 94 .
3- د. نبيل على , تحديات عصر المعلومات , الهيئة المصرية العامة للكتاب بمصر, ص 46 وانظر أيضا له .
4- د. نفوسة زكريا , تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر , دار المعارف بالإسكندرية , ط 2, 1980 . ص 18 .
5- عبد العزيز فهمي , تيسير الكتابة العربية , مجمع اللغة العربية بالقاهرة ص 1-43 .
6- د. محمد حسن عبد العزيز , الفصحى المعاصرة : مظاهر حداثتها ودورها في أجهزة الإعلام, مؤتمر قسم علم اللغة بكلية دار العلوم بعنوان (اللغة العربية في أجهزة الإعلام) .
7- السابق .
8- د. فتحي جمعة , اللغة الباسلة, ط 6, دار النصر للتوزيع والنشر , 2004 ص 180.
9- د. حسن يوسف – مقالات أدبية.
10- د. حسن يوسف – التأويل فى النص الشعرى – دار الشروق – 2003.
11- د. حسن يوسف – محاولات لدراسة الشعر العربى القديم – دار الشروق – 1999.
12- د. حسن يوسف – ظواهر ادبية معاصرة فى التراث النقدى القديم – دار الشروق – 2002 .
13- د. حسن يوسف – رؤية معاصرة فى بعض قضايا النقد العربى القديم – دار الشروق – 2005.

ـــــــــــ

(*) عميد كلية الآداب جامعة قناة السويس.


  تعليق markus
  تاريخ 2021-01-27

nGg7E7 https://buyzudena.web.fc2.com/
أعلي الصفحة
  تعليق markus
  تاريخ 2021-01-26

Yvr31v https://beeg.x.fc2.com/
أعلي الصفحة
  تعليق johnanz
  تاريخ 2021-01-09

a6hzIw http://waldorfdollshop.us/ waldorf doll
أعلي الصفحة
  تعليق dobson
  تاريخ 2021-01-09

MgwJ57 https://writemyessayforme.web.fc2.com/octavio-paz-essay-day-of-the-dead.html
أعلي الصفحة
  تعليق dobson
  تاريخ 2020-12-15

MzSJHb https://writemyessayforme.web.fc2.com/#writemyessay
أعلي الصفحة
  تعليق dobson
  تاريخ 2020-12-13

Wi7TSm https://writemyessayforme.web.fc2.com/
أعلي الصفحة
  تعليق johnan
  تاريخ 2020-12-13

49R5LB http://xnxx.in.net/ xnxx videos
أعلي الصفحة
 

 
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:

جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد داود  ©