السيرة الذاتيه للدكتور محمد داود تواصل مع داود
كتب مقالات حلقات وبرامج إذاعيه وتلفزيونيه رسائل علميه قالوا عن داود حلقات وبرامج إذاعيه وتلفزيونيه
       

كلية الآداب ـ السنة الثانية

أسباب تغير المعنى

ارتباط اللغة بالمجتمع ومتغيراته المتعددة، جعل الأسباب التى تؤدى إلى تغير المعنى عديدة ومتنوعة، ويمكن تصنيف هذه الأسباب إلى نوعين:

أ- أسباب لغوية.
ب- أسباب اجتماعية.

وهذا التقسيم لغرض الدراسة والبحث فقط، وإلا فالعوامل اللغوية والاجتماعية كلتاهما تعمل جنبًا إلى جنب فى آن واحد، ودون فصل بينهما فى الواقع اللغوى.

الأسباب اللغوية:
1- الحاجة:
مواليد الحياة المتنوعة- حسية كانت أو معنوية- تحتاج إلى أسماء تدل عليها، ويرجع اللغويون إلى كنوزهم اللغويـة المتمثلة فى التراث اللغوى، ينتقون كلمـات اندثرت فيعيدون إليها الحياة، ويسمون بها مواليد الحياة المختلفة، ومن هنا تظهر كلمات قديمة قد لبست ثيابًا جديدة من المعنى، ومثل ذلك: الجريدة، الصحيفة والوظيفة والقطار والتسجيل...إلخ.
وتتم هذه العملية على أيدى الموهوبين من الأدباء والشعراء والكتاب، كذلك للمجامع اللغوية دور مهم فى هذه العملية، وقد تدفع الحاجة إلى اللجوء إلى ألفاظ أجنبية للتعبير عن مواليد حضارية لمجتمعات أجنبية، ولعدم استيعاب المجتمع لهذا التقدم العلمى يجد نفسه مضطرًّا فى بعض الأحيان إلى عملية التعريب، وقد ينشأ عن ذلك وجود لفظ أجنبى بجوار لفظ أصيل، فيؤدى ذلك إلى الترادف، أو تصبح السيادة للفظ الأجنبى ويندثر اللفظ الأصيل1.

2- الاستعمال:
"إن المادة الأولية للغة ثابتة، ولكن أشكالها متغيرة، وليس من الممكن أن يتطرق الفناء أو الإماتة إلى المادة الخام، إلا إذا قضى الله ألا تكون اللغة ذاتها، فأما الأشكال فإنها تحيا وتموت، تحييها ضرورة تعبيرية، ويميتها انعدام هذه الضرورة، ثم تبعثها فى صورة أخرى ضرورة جديدة، وهكذا دواليك"2.

إن إعادة استعمال المادة القديمة فى معنى جديد _ سواء كان هذا المعنى خاصًّا أم عامًّا _ يجعلها تكتسب هذا المعنى الجديد الذى استعملت فيه.

ومثال ما شاع استعماله بين الناس فتحولت دلالته وعرف بالمعنى الجديد واندثر المعنى القديم له: الألفاظ التى كانت تدل على معانٍ عامة أو مطلقة، ثم جاء الإسلام فخصصها، مثل: الصلاة والصوم والزكاة والحج والمؤمن والكافر ...إلخ.
كذلك الألفاظ التى كانت تدل على معان خاصة ثم جاء الإسلام فعممها مثل: اليأس، الرائد ...إلخ3.

كما أن كثرة الاستعمال للكلمة فى معنى مجازى يؤدى إلى انقراض المعنى الأصلى لها، ويصبح معناها المجازى حقيقة، ومثال ذلك: "تحول معنى (المغفرة والغفران) من: الستر، إلى: الصفح عن الذنوب، وتحول معنى (الوغى) من: اختلاط الأصوات فى الحرب، إلى: الحرب نفسها، ومعنى (العقيقة) من: الشعر الذى يخرج على الولد من بطن أمه، إلى: ما يذبح عنه عند حلق ذلك الشعر"4.

3- الخطأ وسـوء الفهم:
قد ينتج عن الخطأ فى تطبيق القواعد أو سوء الفهم لها تغير دلالى، ومثال ذلك كلمة "ولد" تطلق فى اللغة العربية على المولود عامَّة مذكرًا كان أو مؤنثًا، لكن تذكير الصيغة الصرفية فى اللغة لكلمة "ولد" جعل معناها يرتبط فى الذهن بالمذكر وأصبحت تطلق على الذكر دون الأنثى فى كثير من اللهجات.
كذلك كلمة "زوج" حدث لها تغير دلالى لنفس السبب، وواضح من المثالين السابقين أن الخطأ فى تطبيق قواعد اللغة وسوء الفهم ليس إلا نتيجة للعملية الذهنية التى تسمى بالقياس الخاطىء5.

4- تغير مدلول الكلمة لتغير طبيعة الشىء الذى تدل عليه:
فكلمة "الريشة" مثلاً كانت تطلق على آلة الكتابة أيام أن كانت تتخذ من ريش الطيور، ولكن تغير مدلولها الأصلى تبعًا لتغير المادة المتخذة منها آلة الكتابة فأصبحت تطلق على قطعة من المعدن مشكلة فى صورة خاصة6. كذلك نجد كلمات مثل: (القطار، البريد، الخاتم) تغير مدلولها لتغير طبيعة الأشياء التى كانت تدل عليها هذه الكلمات.

5- تطور أصوات الكلمة:
"ثبات أصوات الكلمة يساعد على ثبات معناها، وتغيرها يذلل أحيانًا السبيل إلى تغيره"7، فكلمة "كماش" الفارسية، بمعنى نسيج من قطن حسن، قد تطورت فيها الكاف فأصبحت قافًا، فشابهت الكلمة العربية: "قماش" بمعنى: أراذل الناس وما وقع على الأرض من فتات الأشياء، ومتاع البيت، فأصبحت هذه الكلمة العربية، ذات دلالة جيدة على المنسوجات"8.

6- اختصار العبارة:
يؤدى اختصار العبارة إلى تغير دلالة الكلمة، وتشيع الدلالة الجديدة، وبعد عدة أجيال تصبح الصلة بينها وبين المعنى الجديد غير واضحة، مثال ذلك قولنا فى اللهجة العامية المصرية: "فلان من الذوات" أو " من أولاد الذوات " أى: من الأغنياء، فهذه الكلمة مختصرة بلا شك من عبارة" ذوات الأمـلاك"9.

ب- الأسباب الاجتماعية (غير اللغوية):

"إن هناك عاملين يؤثران فى اللغة: عامل المجتمع، وعامل الفرد، ويمكن أن نعتبرهما عاملاً واحـدًا هو عامـل المجتمع، إذا ما رأيـنا أن المجتمـع لا يؤثـر إلا من خلال الممارسات الفردية، ومن هنا يمكن أن نعترف بأن طروء بعض التغيرات فى العربية ضرورة لا معدى عنها"10.
فاللغة هى الوعاء الذى تصب فيه التجربة والخبرة الإنسانية بوجه عام، فلا بد أن يختلف شكل هذا الوعاء باختلاف مضمون التجربة التى يتضمنها، وعلى هذا يمكننا أن نميز مستويات لغوية متمايزة بتمايز المضامين والخبرات التى تتشكل فى اللغة وتشكلها، فالتجربة الاجتماعية تطبع اللغة بطابع اجتماعى، والتجربة الفنية تفرض شكلاً لغويًّا آخر، والتجربة الصوفية تصطنع لها لغة خاصة، مثل: نفحة وقطب ومدد والطريق والمريد والسالك...إلخ، كما أن الخبرة العملية والعقلية- بدورها- تنشئ لغة تناسب طبيعتها، فالخبرة الاجتماعية تميل إلى التوحيد، أى خلق بناء غير متمايز داخل المستوى الاجتماعى الواحد، فكل نشاط اجتماعى يتطلب مستوى محددًا يسهِّل عملية الاتصال بين أفراده، فنجد أن للتجار لغة (تجارية)، وللعمال لغة فرضتها طبيعة العمل والعلاقات القائمة بين الأفراد وبين الأفراد وبين المجتمع (بقية الطوائف الاجتماعية الأخرى)، مثل: مهموز، إسفين، زمبة، يهرش، يخلع...إلى آخر هذه القائمة من الألفاظ التى ارتبطت بطبقة الحرفيين والتجار فى المجتمع، والخارجين عن القوانين والأعراف (كاللصوص وتجار المخدرات ... ومن إليهم) لغة يسمونها: (سيم) وهى خاصة بهم، وتتميز بالغموض والخفاء تبعًا لطبيعة أنشطتهم، "فيسمى بعض اللصوص رجل الشرطة: حذاء، ويطلقون على الضحية: العم أو الزبون ويطلق السماسرة والمقامرون على رزمة النقود التى تبلغ ألفًا من الجنيهات: باكو11.
إن لهذه الطوائف والجماعات ما يمكن أن يطلق عليه: "اللغات الخاصة"12. وللفنانين لغة تميل إلى الفردية والابتكار والانحراف أحيانًا، أما بالنسبة للنشاط العقلى العلمى، فلغته تتميز بالتحديد والوضوح، بل إن العلم (الطبيعى بخاصة) أصبحت له لغة ذات قاموس خاص، ويعتمد غالبًا على الأرقام والمعادلات، فى محاولة للخروج من خصوصية اللغة والتباسها وما تحمله كل لفظة من تراث ومضامين وظلال ربما تشوش على تحديد المعنى بالدقة التى تتطلبها طبيعة هذه العلوم من الموضوعية.
أيضًا اختلاف البيئة المكانية له دوره فى التغير اللغوى، فمثلاً: يطلق لفظ الشاب على العجل (من الجاموس) فى صعيد مصر، بينما يطلق على الفتى فى مدينة القاهرة وهكذا فقد تنحط دلالات بعض الألفاظ فى بيئة معينة، وقد تسمو دلالات هذه الألفاظ نفسها فى بيئة أخرى، وليس أدل على ذلك من دلالة كلمة كرسى، التى تتمتع بدلالة مقدسة عند علماء الشريعة الإسلامية؛ لما أعطاها الإسلام من دلالة رفيعة عالية {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} البقرة/ 255 . هذا بخلاف معناها عند النجار وبخلاف معناها عند مدمنى المخدرات.
ولا يغفل دور وسائل الإعلام فى التطور اللغوى، فاللغة الإعلامية هى البادئة بالتطور، بحكم كونها لغة حضارية ولابد أن تطوّع نفسها للتعبير عن مقتضيات العصر، خاصة وأنها لغة إخبارية تختلف المادة التى تقدم من خلالها من مرحلة إلى أخرى، بل من لحظة إلى أخرى 13.
كما أن السرعة التى تتطلبها طبيعة اللغة الإخبارية تؤدى إلى البحث عن أقرب الكلمات إلى التعبير وإلى الفهم كليهما، وربما أدى ذلك إلى التسامح فى استخدام الألفاظ فى غير مواضعـها أحيانًا، واللغة الإعلامية تحتاج إلى تعريف لمصـدر الخبر،ولذلك نلمح فيها اهتمامًا خاصًّا بألفاظ الكلام، فمرة يقول المصدر، ومرة يؤكد، ومرة يعلِّق، ومرة يصرِّح ... إلخ.
ولقد ساعدت الوسائل الإعلامية على انتشار ألفاظ بعينها؛ لمناسبتها للطبيعة الإخبارية، وجانب كبير من هذه الألفاظ مما يدل على الكلام، مثل: خبر، أخبر، مصدر، جريدة، ذكر، متحدث، صرح، أعرب، وضح، تحليل، تعليق، عرض، أشار، حذَّر، ندَّد، أدان، أنباء، أعلن، شجب، استنكر، مباحثات ..إلخ.

كما أن ارتباط الوسائل الإعلامية بالسياسة ونظام الحكم كان له الأثر الواضح فى نشر كثير من ألفاظ الكلام وتطورها، ففى المجال السياسى: مؤتمر، اتفاق، معاهدة، قرار، تأييد، رفض، تنديد، شجب، خطاب، بيان.
وارتباط هذه الوسائل أيضًا بالفنون وسَّع انتشار ألفاظ كثيرة وأكسبها لونًا من التطور، مثل: برنامج، أغنية، تمثيلية، حوار ...إلخ.

أيضًا ارتباط هذه الوسائل بالقارئ أو المتلقى بوجه عام، أدى إلى استخدام لغة وسيطة بين الفصحى والعامية، وهذا يلمح فيها قدر كبير من التطور.

أوضح الدلالات التى تحملها الألفاظ فى الوسائل الإعلامية هى الدلالة الاصطلاحية، فمثلاً حين ترد لفظة "صرّح" نفهم منها أن مسئولاً كبيرًا أو شخصًا له أهميته وثقله هو الذى صرّح، وحين نقول: ندّد، نفهم أن هناك أزمة أو بوادر أزمة سياسية، وحين ترد كلمة: حوار، نفهم أن هناك علاقات طيبة بين البلدين المتحاورين، إلى آخر هذه الألفاظ التى لا نستطيع أن نردها كمخاطبين إلى أصولها القديمة، أو ما تحمله من دلالات وظلالات قديمة، فقط يعبُر الذهن بكل ما تحمله اللفظة من دلالات وظلال قديمة عبورًا سريعًا – إن طافت به أصلاً هذه الدلالات وتلك الظلال- ويتعامل مع التواضع الحديث للفظة، فحينما نسمع أو نقرأ لفظة: "قرار" لا يطوف بذهننا المعنى القديم (الذى يرجع إلى مجال الحركة)، ونفهم منه الدلالات الحديثة: كلمات تحدد شيئًا من أمور المجتمع يعلنها مسئول مختص.

يضاف إلى ذلك أن وسائل الإعلام أدخلت فى اللغة العربية ألفاظًا وتعبيرات أجنبية مثل: استراتيجية، فيتو، أوكى، كاريكاتير، بولوتيكا، بوليس، تياترو ..إلخ.

************************

(1) د. إبراهيم أنيس: دلالة الألفاظ: ص 149 وما بعدها.
(2) د. عبد الصبور شاهين: العربية لغة العلوم والتقنية: ص 55.
(3) د. إبراهيم أنيس: دلالة الألفاظ: ص 155.
(4) د. على عبد الواحد وافى: علم اللغة: ص 321.
(5) د. إبراهيم أنيس: دلالة الألفاظ: ص 137.
(6) أولمان: دور الكلمة فى اللغة (الترجمة العربية): ص 324.
(7) المرجع السابق: ص 322.
(8) د. عبدالصبور شاهين: فى التطور اللغوى: ص 112.
(9) المرجع السابق: ص 113.
(10) د. عبدالصبور شاهين: فى العربية لغة العلوم والتقنية: ص 45.
(11) المرجع السابق: ص 118.

(12) السابق نفسـه: ص 174.
(13) د. عبدالعزيز شرف: اللغة الإعلامية: ص 191.


  تعليق johnanz
  تاريخ 2021-01-09

BA3zHd http://waldorfdollshop.us/ waldorf doll
أعلي الصفحة
  تعليق dobson
  تاريخ 2021-01-09

9TBaoX https://writemyessayforme.web.fc2.com/octavio-paz-essay-day-of-the-dead.html
أعلي الصفحة
  تعليق dobson
  تاريخ 2020-12-15

Zw86xY https://writemyessayforme.web.fc2.com/#writemyessay
أعلي الصفحة
  تعليق dobson
  تاريخ 2020-12-13

Za30DK https://writemyessayforme.web.fc2.com/
أعلي الصفحة
  تعليق johnan
  تاريخ 2020-12-13

HdVLnq http://xnxx.in.net/ xnxx videos
أعلي الصفحة
 

 
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:

جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد داود  ©