مقالات يحيى وزيرى

الهوية والطابع المعمارى بين الشكل والمضمون

المشربية كان غرضها الستر ..وليست مجرد وحدة زخرفية تشكلية فحسب،بهذه النظرة العقلانية العلمية في تحليل التراث المعماري الشرقي يدعونا د.يحيى وزيري ،في إطار حديثه عن المدارس المعمارية سواء الداعية لمواكبة الحداثة "وأخواتها" أو التقليدية الداعية لنسخ الماضي أو ما يدعو هو إليه من المدرسة الوسطية والتى تسعي لتوريث فكرة الستر دون شرط إرتباطها بالمشربية أى الإحتفاظ بالغاية والتراث والهوية مع تطوير الوسيلة ، عن الهوية والطابع المعماري بين الشكل والمضمون يكتب د.يحيى وزيري أستاذ المعمار المشارك والمحاضر بجامعة القاهرة .

لاتقدم المعاجم اللغوية القديمة معنى شاملاً عن "الهوية" ، ولكن فى المعاجم الحديثة نسبيا نجد لها تعريفات محددة، ففى المعجم الوجيز الهوية تعني: "الذات" ، وفي المعجم الوسيط تعني: "حقيقة الشئ أو الشخص التي تميزه عن غيره".

وقد ساعد الفلاسفة اكثر من اللغويين في تفسير الهوية (بضم الهاء) وهي منسوبة الى (هو) ، وهي تقابل الآخر أو الغيرية، وتعني في كتاب التعريفات عند الجرجاني: « الحقيقة المطلقة، المشتملة على الحقائق، اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق»، ويرى البعض الآخر أن الهوية هى مايعرف الشئ في ذاته دون اللجوء الى عناصر خارجية لتعريفه، ويستعمل ايضا للدلالة على الجوهر والماهية.

اما في المنطق فان هذه اللفظة تشير الى معنيين:
1- التساوي او التشابه المطلق بين كمين او كيفين وهنا تعني التوافق.
2- ان يكون الشئ ثابتا لا يتغير بما يعتريه او يعتري ما يحيط به وهنا تعني الثبوت.

مما سبق نستطيع أن نقول أن "الهوية" أو "الطابع" من حيث الدلالة اللغوية أو الفلسفية تعنى حقيقة الشيئ أو جوهره الذى يمكن أن يميزه عن غيره، سواء كنا نتحدث عن الهوية الدينية أو الثقافية أو المجتمعية، وهى تحمل فى طياتها الاشارة الى خصوصيات ثقافية معينة أو الانتماء الى فكر أو ايديولوجيا محددة.

لذلك يمكن أن يتضح لنا الطابع الثابت نسبيا للهوية خاصة أنها ترتبط أساسا بقضايا الهوية الثقافية أي باللغة والقيم والرموز الحضارية وبالدين على وجه الخصوص، وهذه المجالات هي من أكثر المجالات مقاومة للتغيير.

ولكن هذا لايعنى أنه لايتواجد فيها هامشا مهما كانت مساحته، يقبل التغيير أو التعديل أو الاضافة والحذف، والا تحول الحديث أو التفكير فى الهوية كمرادف للجمود أو الثبات المطلق، وهو مايمكن أن يجعل منها سببا للتأخر بدلا من أن تكون حافزا وطاقة للتقدم والتطور.

وعموما فان للهوية رافدين أساسيين هما: التراث والذى يمثل الجانب الثابت من الهوية، والمجتمع والبيئة بمعناها الشامل (طبيعية ثقافية، روحية..) واللذان يمثلان المصدر المتغير من الهوية.

لأجل ذلك نجد أن البعض قد فهم الهوية فى معناها العميق على أنها: "حالة عقلية وجدانية متطورة عن محصلة انتمائات الانسان التي تحدد ارتباطاته وولائه لحضارته وثقافته وبالتالي لامته وشعبه".

وفى مجال العمارة والعمران – مثله فى ذلك مثل باقى المجالات- كثر الحديث عن قضية الهوية والطابع، سواء أكان ذلك على المستوى القومى أو الاقليمى، وعن كيفية ايجاد طابع عربى أو اسلامى معاصر فى مواجهة تيارات العمارة العالمية الوافدة وبخاصة من الغرب بصورها ومدارسها المختلفة، والتى تخلت تقريبا عن فكرة الهوية أو الخصوصية الثقافية وانحازت لفكرة العولمة، مما أدى الى وجود تيارين معماريين متعارضين أحدهما يدافع عن الخصوصية الثقافية لمجتمعاتنا العربية رافضا لكل ماهو حديث، والآخر لايرى عيبا فى التخلى عن الأنماط أو الأشكال التقليدية للعمارة العربية أو الاسلامية ويرى أن البديل المنطقى هو الدوران فى فلك تيارات الحداثة ومابعد الحداثة وأخواتها.

وبين التيارين المتعارضين السابقين يمكن أن يوجد فكرا وسطا لايتخلى عن الهوية والخصوصية الثقافية العربية الاسلامية، ولكن فى نفس الوقت يعى أن فكرة التطور ومسايرة منجزات العصر الحديث لاتتنافى مع ذلك، وأنه يمكن بلورة عمارة عربية معاصرة لاتتقيد بالأشكال أو العناصر المعمارية التى ابتدعها الأجداد ولكن تحمل فى طياتها نفس المضامين الاجتماعية أو البيئية التى تتناسب مع المجتمعات العربية.

ولكى يتضح هذا الفكر الوسط فيمكن أن نعطى مثالا محددا، فمن أهم مميزات عمارة المسكن العربى والتى أعطته طابعا وهوية مميزة، توفير فكرة الخصوصية أو الستر، وقد تمكن المعمارى المسلم قديما من تحقيق ذلك بطرق متعددة منها على سبيل المثال استخدام المشربيات الخشبية والتى الى جانب توفيرها للخصوصية لبت حلولا بيئية وجمالية فى نفس الوقت، .. فهل يمكن تحقيق الخصوصية فى واجهات المبانى المعاصرة بمفردات أو أفكار معمارية أخرى غير المشربيات الخشبية؟ ، بمعنى آخر هل المشربية كعنصر وشكل معمارى ليس لها بديل آخر بحيث يلبى نفس المعايير التصميمية من خصوصية ومجابهة للظروف البيئية، ربما توجد بعض المحاولات التصميمية المعاصرة والتى يمكن أن تجيب على هذا التساؤل، ولكن مايهمنا التأكيد عليه هنا فى هذا السياق أن التمسك بعناصر معمارية شكلية معينة، ليس هو الطريق الوحيد للحفاظ على الطابع المعمارى أوالهوية العمرانية، ولكن يفترض وجود بدائل أخرى ربما لاتتطابق فى الشكل ولكن تؤدى نفس الوظيفة وتحقق المضمون.

استخدام المشربيات الخشبية لتوفير الخصوصية وتحقيق الحلول البيئية و الجمالية

ولكى تتضح لنا الصورة بشكل أكبر فلقد حدد البعض أساليب استلهام أو إحياء ثابت تراثي معين فيما يلى:

أ‌- نقله كما هو.
ب‌- النقل عنه بشيء من التحوير بالإضافة أو النقصان أو التكرار.
ج‌- القياس عليه و تطويره.
د‌- أخذ سببياته فقط و إعادة بنائه بشكل جديد.

أي أن أساليب استلهام التراث المعماري تتم إما على هيئة نقل مباشر في صورة تشكيلات معمارية دون أي تغيير، أو يتم النقل بشيء من التحوير سواء بالإضافة أو النقصان على سبيل التغيير الشكلي فقط دون النظر إلي النواحي الوظيفية على سبيل المثال، أو عن طريق محاولات تطويرية سواء بالقياس على العنصر التراثي أو بأخذ مسبباته في الاعتبار ومحاولة إعادة استخدامه بفكر تصميمي جديدأومبتكر.

تحقيق الخصوصية فى واجهات المبانى المعاصرة بمفردات أو أفكار معمارية أخرى غير المشربيات الخشبية

والأسلوب الأخير يرى أنه لايجب أن يتم تقليد مابناه الأوائل وتطبيقه بصورة نقل مباشر، بل وأخطر من تقليد المباني التراثية المعروفة هو الاتجاه السائد بما يمكن تسميته بعمارة الواجهات Façade Architecture ، ويتم ذلك عن طريق استعمال العقود أو الأقواس أو الكوابيل بدون النظر لعلاقة ذلك بالفراغات الداخلية سواء على مستوى المساقط أو الحجوم، فهذا الرأي يرفض أسلوب النقل المباشر للأشكال التراثية المعروفة دون أن يكون لها عمق تصميمي ووظيفي مرتبط بالتصميم الداخلي لفراغات المبنى.

ان معيار التمسك بشكل أو عنصر معمارى محدد هو صلاحية هذا العنصر لأداء الوظيفة التى كان يؤديها بنجاح منذ مئات السنين، كالفناء الداخلى على سبيل المثال، وليس أن يقتصر استعماله فقط للتعبير عن مشاعر الحنين الى الماضى، فى مقابل الهروب من واقع صادم أو تقدم تقنى متسارع لايمكن فهمه أواستيعابه.

لذلك فانه لايجب أن يتم دراسة التراث دراسة عاطفية بل دراسة علمية تكنولوجية تقوم على كيفية تفاعل العمارة مع البيئة الطبيعية (الشمس، الحرارة، الرطوبة..) والبيئة الثقافية الحضارية، وهو ما يؤدى إلي وجود أنماط معمارية متباينة حسب خصوصية التراث والظروف البيئية لكل منطقة، وكل ذلك يؤدى إلى وجود طابع معماري يحترم خصوصية الزمان والمكان.

إن قضية الاستلهام من التراث المعماري لا يجب أن يتم النظر إليها على أنها توجه لمدرسة معمارية عربية جديدة في مواجهة المدارس المعمارية الغربية، بل يجب أن ننظر إليها كأحد دعائم ما يمكن أن نسميه "بثقافة المقاومة"، والتي تعتبر جزءا من أسلوب مواجهة ظاهرة العولمة في جميع مناحي الحياة والتي تهدف إلى طمس الهويات القومية لشعوب العالم الثالث لصالح الهيمنة الغربية وبالأخص الأمريكية.

ولايجب أن يفهم البعض من هذا التوجه المعماري أنه دعوة للانعزال أو الانكفاء على الذات أو دعوة لمقاطعة الحضارة الغربية على طول الطريق، بل هي دعوة للاستفادة من معطيات الفكر الانسانى في مجال الفنون والعمارة بما لايتعارض مع العادات والتقاليد العربية أو الإسلامية، ومن جانب آخر فهي دعوة لكل المبدعين العرب للمشاركة في صنع الحضارة الحديثة كما فعل الأجداد في الماضي ، بدلا من الاكتفاء بالتقليد والاستنساخ لكل ما هو آت من الغرب.

ان اشكالية البحث عن الهوية والطابع المعمارى والعمرانى فى ظل عصر العولمة، لايمكن تغطية جوانبها فى كلمات محدودة، لأن الطابع المعمارى لأى منطقة أو حضارة يتحدد نتيجة عمليات معقدة من خلال ممارسات مجتمعية واعية عبر الزمان والمكان، تؤسس وتطور المنتج والشكل المعمارى أو العمرانى بما يحافظ على مضمون الهوية والخصوصية الثقافية لتلك المجتمعات أو الحضارات.
 

abortion pill online purchase abortion pill buy abortion pill online
buy abortion pill abortion pill abortion pills

 
 
   
:الاسم
  :البريد الالكتروني

:التعليق